تحليل وشرح فيلم Shutter Island .. الماء والنار مفتاح فهم القصة

يقولون أن هناك قنابل من شأنها أن تحوّل مدناً كاملة إلى رماد، وما تطلقون عليه تلفاز .. أصوات ووجوه تأتي من داخل صندوق … أنا أسمع أصواتاً كافية فعلاً.

فيلم Shutter Island هو ثمرة التعاون الرابع بين المخرج الكبير مارتن سكورسيزي والنجم ليوناردو دي كابريو، الفيلم الذي جاء في عام 2010 المميّز سينمائياً، فهو نفس العام الذي صدر فيه فيلم Inception أيضاً.

قصة فيلم Shutter Island تدور حول المارشل ادوارد دانييلز (دي كابريو) الذي يأتي إلى جزيرة Shutter من أجل البحث في اختفاء مريضة من مشفى أمراض عقلية معزولة في تلك الجزيرة، وفي تلك الأثناء يستحضر المارشل صوراً من حياته السابقة أثناء مشاركته في الحرب العالمية الثانية والمجازر التي قام بها، بالإضافة لصور زوجته التي توفت خنقاً بعد أن قام أحد الرجال بافتعال حريق في المبنى الذي يعيشان به.

على طول فيلم Shutter Island يقتنع ادوارد (سنقوم بتسميته تيدي كما كان يطلق عليه شريكه) أن تلك المشفى هي أكثر من مجرّد مشفى، وإنما يتم فيها إجراء تجارب على السجناء وتحويلهم إلى “جنود أشباح” ينصاعون للأوامر بدون أي عاطفة من أجل تسخيرهم في الحروب، كالتجارب التي كان يجريها النازيون على السجناء.

بعد 50 سنة من الآن سينظر الناس للماضي، وسيقولون هنا هذا المكان حيث بدأ كل شيء.

ولكن نكتشف في النهاية أنه يوجد منظورين مختلفين للقصة:

منظور الطبيب: تيدي في الحقيقة مارشل سابق، وهو مريض في المشفى يخضع للعلاج بعد أن قتل زوجته بنفسه، قتلها لأنها فقدت عقلها وقامت بإغراق أولادهم في الماء وقتلهم.

منظور تيدي: من وجهة نظر تيدي أن زوجته ماتت في الحريق الذي قام شخص بافتعاله، شخص يدعى اندرو لاديز، وهو يتواجد في هذه المشفى وقد اختار هذه القضية بالذات من أجل القدوة والبحث عنه وأخذ ثأر زوجته.

كِلا وجهتي النظر هي عبارة عن صراع ما بين النار والماء، الغرق والحريق، ما هو الحقيقي وما الخيال؟ سأحاول في هذه المقالة عرض التفاصيل الصغيرة التي أخبرنا بها الفيلم طوال الوقت بدون أن نشعر.

الفيلم هو عبارة عن تكذيب الحقيقة حتى وإن كانت أمامنا طوال الوقت. نحن نريد تصديق الحقيقة التي نريدها على الرغم من كافة الدلائل التي تشير عكس ذلك.

بالعودة إلى المنظورين المختلفين للقصة، الأول هو الماء (زوجة تيدي قامت بإغراق أطفالهم فقام تيدي بقتلها) وهي الحقيقة التي ينكرها تيدي طوال الفيلم، من خلال التفاصيل الصغيرة التي تم عرضها أمامنا والتي سأتطرق لها تالياً. أما وجهة النظر الثانية هي النار (موت زوجة تيدي اختناقاً بعد افتعال حريق في المبنى) وهو الخيال أو الكذبة التي يحاول تيدي التمسك بها والبحث عن مفتعل الحريق.

على طول الفيلم، جميع المشاهد التي كانت تحتوي على نار هي مشاهد خاصة بتيدي، مشاهد النار هي الحقيقة المزيفة والخيال التي يحاول تيدي أن يقنع نفسه بها، ومشاهد الماء هي الحقيقة. دققوا في هذه المشاهد والتفاصيل الدقيقة:

المشهد الأول (نار):

زوجته التي تحوّلت إلى رماد والشقة المحترقة حوله، والماء التي تقطر من بين يديه. التفسير هنا (حسب رأيي طبعاً) هو أن الماء هي الحقيقة التي ينظر إليها مباشرة بعينيه، لكنه يرفض تصديقها من خلال النار التي تشتعل حوله (عقله الباطن والخيال الذي يحاول أن يقنع نفسه به) وزوجته التي تحوّلت إلى رماد (مع أنه صرّح سابقاً وأكد على أنها ماتت اختناقاً وليس حرقاً، أي أن هناك أمر غير مكتمل هنا).


المشهد الثاني (ماء):

أثناء مقابلتهم مع المرضى، فإن الحوار مع المريضة الثانية كان ملفتاً للنظر بتفاصيله. في البداية لاحظوا وجود حارس أمن خلف تيدي وحارس خلف المريضة، دلالة على أنهم مرضى ويجب مراقبتهم، في حين أن شريك تيدي، (مارك روفالو) لم يكن خلفه حراس، أي أنه ليس بحاجة لمراقبة وهو أمر منطقي باعتباره الطبيب النفسي المشرف على تيدي (د. شيهان) والذي يمثّل أنه شريكه ومساعده، وقد اكتشفنا ذلك في نهاية الفيلم.

التفصيل الثاني أثناء ذكر د. شيهان (والذي اكتشفنا لاحقاً أنه شريك تيدي كما ذكرت) تنظر المريضة لمارك رافالو بطرف عينيها، وكأنها تعلم بأنه هو ولكن تم أمرها بعدم التكلّم عن الأمر، ونلاحظ ارتباكها في هذا المشهد أثناء الحديث عنه. (أعيدوا المشهد وتأكدوا بأنفسكم).

التفصيل الثالث عندما طلبت المريضة كأس ماء، وبسرعة قامت بأخذ دفتر تيدي وكتبت RUN بمعنى اهرب، وكأنها تعلم بأنه مريض وهذه هي فرصته للهرب.

التفصيل الرابع وهي تشرب الماء لم نرى الكأس وكأنها تشرب فراغاً !! ظننت في البداية أنه خطأ اخراجي ولكن منظور (وجهة النظر المائي) تبدو منطقية هنا. فبما أن تيدي ينكر الحقيقة، وقد كانت تلك اللقطة من منظور تيدي، فكأنها كانت رسالة مبطنة من الفيلم أن الماء هي الحقيقة التي يحاول تيدي انكارها. ولذلك لم نراها من منظور تيدي كونه ينكرها ولكن رأينا الكأس من منظور ثاني.


التفصيل الخامس جاء في مشهد سابق، أثناء استجواب الممرضات تم ذكر د. شيهان، وعند ذكره قامت الممرضة بالنظر إلى شريك تيدي بطرف عينيها وكأنها رسالة أخرى من رسائل الفيلم بأن هذا هو د. شيهان. الصورة التالية هي الصورة الخاصة بالمشهد يمكنكم الرجوع للمشهد والتأكد من ذلك.

والتفصيل السادس في نفس المشهد عندما خاطب شريك تيدي الطبيب المسؤول واعترض على اعطاء اجازة لـ د. شيهان مباشرة بعد أن هربت مريضته، ليجيبه “بالتأكيد سنعطيه إجازة، فهو طبيب” وضحك بعدها جميع الممرضين. الضحكة هنا غير منطقية إلا في حالة أن الجميع يعلم بأن شريك تيدي هو نفسه د. شيهان، وهو ما حدث فعلاً. وبالتأكيد تيدي لم يعلم ذلك إلا في نهاية الفيلم.


من أحد التفاصيل هي قبل دخول تيدي وشريكه إلى المشفى، يعاني شريكه من صعوبة في نزع المسدس من خصره وكأنه لم يتعامل معها من قبل. وهو ما يدل على أنه ليس مارشل وليس مساعداً ولا يفقه شيئاً في المسدسات.

تفصيل آخر أثناء بحث تيدي وشريكه عن المريضة الهاربة بمساعدة رجال الشرطة، نرى أن الشرطة لا يفعلون شيئاً ولا يبحثون حتى، دلالة على أنهم يعلمون أصلاً بأنه لا يوجد ما يبحثون عنه، وأن كل هذا عبارة عن تمثيلية مصطنعة.


المشهد الثالث (نار):

 

بعد أن انهار تيدي يرى في منامه أندرو لاديس، وهو الشخص التي يفترض أنه قام بحرق المبنى والتسبب بقتل زوجته. نرى هنا تركيز المخرج على عود الثقاب المشتعل، العود الذي أشعل النار، النار التي تمثّل الحقيقة الكاذبة بالنسبة لتيدي.


المشهد الرابع (نار):

في منتصف الفيلم عندما يقتحم تيدي الجناح C المحظور، يلتقى بـ لاديس محبوساً في زنزانة، وهو الشخص الذي يفترض تيدي أنه قام بافتعال الحريق.

في ذلك المشهد فإن مصدر الإنارة كان عود الثقاب، ولكن عندما يغيب عود الثقاب عن نظرنا يقول الرجل المحبوس بأن هذه عبارة عن لعبة مصممة لأجلك، وأنك لا تحقق بشيء أصلاً. فهو يعرف بحقيقة تيدي وأنه عبارة عن مجرّد مريض آخر.

أنت جرذ لعين داخل متاهة

وعندما يظهر عود الثقاب مرة ثانية في الشاشة يخبره بأنهم سيأخذونه إلى المنارة ليقطعوا دماغه ويجروا عليه التجارب. وهو أمر غير موجود أصلاً لأن المنارة كانت فارغة، دليل آخر على أن مشاهد النار هي وجهة نظر تيدي الشخصية للحقيقة الكاذبة أو الخيال الذي يريد هو تصديقه.


المشهد الخامس (ماء):

عندما نزل تيدي إلى أسفل الجرف الصخري حيث الأمواج تخرج تلك الجرذان بالعشرات والمئات، أعتقد أن تلك الجرذان عبارة عن خيال ابتكره العقل الباطني لتيدي من أجل إبعاده عن الماء، ومن خلاله رأى ذلك الكهف وصعد إليه حيث رأى هناك رايتشل سولاندو الحقيقية (حسب اعتقاده).


المشهد السادس (نار):

أحداث هذا المشهد في داخل الكهف، ونلاحظ أن النار كانت دائماً في قلب الشاشة سواء كانت اللقطة موجهة على تيدي أو على رايتشل، وهو دليل على أن تلك المحادثة عبارة عن هلوسة، وقد كانت المحادثة عن التجارب السريرية وعمليات الدماغ وما إلى ذلك، وجميعها أكاذيب اخترعها خيال تيدي من أجل قصته، القصة التي يحاول من خلالها أن يبدو بطلاً عبر كشف حقيقة الجزيرة والهرب من كونه مجرماً قتل زوجته.


في النهاية استطاع الوصول إلى المنارة بعد أن سبح إليها عبر البحر، وذلك بعد أن أخبره الطبيب بأنه قدم لوحده وليس لديه شريك، وكأنه يحاول أن يوصل إليه فكرة بأنهم قاموا بأخذ شريكه وخطفه، أي أنه سيتواجد في المنارة من أجل إجراء التجارب عليه، في محاولة منه لدفعه إلى الذهاب إليها وهو ما حدث فعلاً، وهناك اكتشف تيدي أنها منارة عادية، وأنه مريض، وهو نفسه المريض رقم 67، وتلك القصة التي اخترعها ما هي إلا محاولة منه ليكون بطلاً بكشف الأسرار المزعومة لهذا المكان، والتهرب من كونه مجرماً قام بقتل زوجته.

لقد أخبرنا فيلم Shutter Island بالحقيقة طوال الوقت، كانت الحقيقة أمامنا كما كانت أمام تيدي طوال الوقت ولكنه اختار تصديق ما يريده هو، متجاهلاً جميع الدلائل التي تشير عكس ذلك.

أتعلم؟ هذا المكان يجعلني أتساءل، ما الأسوأ؟ أن تعيش كوحش أم أن تموت كبطل؟

في المشهد الأخير من فيلم Shutter Island، يجلس تيدي و د. شيهان على الدرج، فيخبره تيدي بأنه يجب عليهم الخروج من هذا المكان، ويحدّثه باعتباره شريكه وليس د. شيهان، فينظر د. شيهان إلى الطبيب المسؤول ويعطيه نظرة سلبية، بمعنى أن التجربة لم تنجح. فهذا الطبيب كان يقوم بتجربة طريقة جديدة لمعالجة المرضى عوضاً عن اجراء تلك العملية في الدماغ لإخضاعهم، التجربة هي عبر إخضاع المريض لهذه التجربة لتجعله يصل إلى قناعة بمرضه، لكن التجربة لم تنجح للأسف.

فالتفسير هنا، هو أن تيدي/ادوارد يرفض كونه وحشاً قام بقتل زوجته، ولا يزال يريد التصديق بأنه رجل طيّب، رجل يفضّل الموت كالبطل المارشل تيدي على أن يعيش كالوحش القاتل ادوارد.

في الحقيقة ربما نجحت التجربة واقتنع تيدي/ادوارد بمرضه، ولكنه مع ذلك اختار أن يموت كرجل طيّب على أن يعيش كوحش.

والآن بعد أن قرأتم المراجعة أعيدوا مشاهدة الفيلم وقوموا بالتركيز على منظور النار/الماء، وتذكروا أن النار هي الحقيقة الكاذبة أو الخيال والهلوسة، والماء هي الحقيقة الفعلية.

بالمناسبة حتى بوستر الفيلم يصوّر لنا دي كابريو وهو يحمل عود ثقاب مشتعل، دلالة على اختياره قصة النار، اختياره الموت كبطل يصدّق قصة النار التي قتلت زوجته.

والآن أخبروني ما رأيكم؟

اقرأ أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.